السيد حسن القبانچي
56
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
كنا في الدرس السابق في مبحث واجب الوجود ، ومبحث حقيقة العبادة ونحن الآن - في هذا الدرس الجديد - أمام حديث يتضمن معرفة كنه النفس وحقوقها . حق النفس عبارة عن مجموعة من الحقوق يجب على الإنسان أن يؤديها كما يجب أن تؤدى ، ويجب أن يضع كلّا منها موضعه ، فوضع الشيء في محله يمثل العدل ، كما أن وضع الشيء في غير محله يمثل الظلم . إلا أن هذه الظاهرة تتركز أولا على معرفة النفس والبحث عن كنهها إذ هي الطريق المعبّد الموصل إلى معرفة موجدها ومبدعها . يقول ( علي ) عليه السّلام : « من عرف نفسه فقد عرف ربه » . ويقول ( لافونتين ) : « إن أول أمر يجب على الإنسان أن يتعلمه هو معرفته نفسه » . و ( بعد ) الكشف عن معرفة حقوقها وواجباتها . « إن معرفتنا لأنفسنا قد تكون من أوضح المعارف ومن أخفاها في وقت واحد . بيد أن عرفانها واجب على كل كائن ذي وعي وتمييز وبصيرة ، لأنها مصدر سائر المعارف والعلوم حتى العلم باللّه . أما الجهل بها وبأحوالها وبسياستها ، فهو نبع كل ضعف ، وكل نقص خيبة ، في هذه الحياة وفي الحياة الآجلة . وفوق هذا وذاك ، فإن معرفة النفس سر القوة والسعادة والانسجام مع الحياة ، لأن النفس هي المجلي الأعظم لسائر ألوان المعرفة ، من علم وفلسفة وفن ودين . . . ولا معنى لكل ذلك إلا أن تكون النفس الإنسانية : مهبط الهدى والخير والعلم والحكمة . أو أن تكون مثار الجهل والضلال والشقاء والشر . كيف لا ! والنفس أس كل قوة وكل ضعف يبدوان في الإنسان . وهي مبعث كل صلاح أو فساد يطرآن على ذلك الكائن البشري . ثم يقوم على سلامة النفس أو سقمها توازن الشخصية الإنسانية أو اضطرابها . فهي مقياس صحة الإنسان أو مرضه ، وسعادته أو شقائه ، وصلاحه أو طلاحه .